رحيل ناشط السلام الإسرائيلي أوري أفنيري عن 94 عاماً

  • 8/21/2018
  • 00:00
  • 4
  • 0
  • 0
news-picture

توفي في تل أبيب، أمس الاثنين، الكاتب والصحافي والسياسي الإسرائيلي المخضرم، أوري أفنيري، عن عمر يناهز الرابعة والتسعين، بدأه محاربا في إحدى أشد التنظيمات اليمينية تطرفا، ثم فتح عينيه مبكرا على بشائع الحرب، وأحدث تحولا حادا وشجاعا في مسيرته نحو معسكر السلام، وحارب من أجل ذلك طيلة 70 عاما. وكان آخر ما شارك به، مظاهرة المائة ألف التي أقيمت في تل أبيب ضد قانون القومية، في الرابع من الشهر الحالي، حيث تعرض في اليوم التالي، لسكتة دماغية أمهلته أسبوعين.وقد نعى أفنيري عدد كبير من الشخصيات السياسية في إسرائيل وفلسطين والعالم أجمع، مشيدين بشخصيته المميزة، الجريئة، المتأثرة بأفكاره الإنسانية، وبنضالاته من أجل الصحافة الحرة والقيم الإنسانية العالية، وحرية التعبير، والسلام، ومحاربة الاحتلال والعنصرية والإكراه الديني.وُلِد أوري في ألمانيا لعائلة ثرية، قدمت إلى فلسطين بعد صعود النازية بزعامة أدولف هتلر إلى سدة الحكم في ألمانيا عام 1933. خسر والده أمواله في البلاد، فاضطر أوري إلى العمل بدلا من الذهاب إلى المدرسة. وقد بدأ مسيرته السياسية في الجهة اليمينيّة من الخريطة السياسية. ففي عام 1938، في سن 15 عاماً، تجند للمنظمة السرية (الإتسل)، التي بدأت حربها ضد البريطانيين باعتبارهم استعماراً كولونيالاً، ثم تحول إلى محاربة الفلسطينيين والعرب.وفي حرب 1948، التحق بشعبة «غولاني»، وبموازاة مشاركته في العمليات الحربية، كان يكتب التقارير الميدانية لصحيفة «هآرتس». وقد تعرض أوري أفنيري لإصابة خطيرة في أثناء الحرب، وخلع بزته العسكرية.تبلورت وجهة نظره، التي تمسك بها حتى يومه الأخير، والتي تولي أهمية لإقامة دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل، عندما كان يمضي فترة العلاج في المستشفى. وكما كتب في سيرته الذاتية: «في أثناء الحرب، اقتنعت بأن هناك شعباً فلسطينياً يجب صنع السلام معه أولاً، لهذا يجب أن تقوم دولة فلسطينية».في عام 1950، ترك أوري العمل في صحيفة «هآرتس»، وأصدر مجلة أسبوعية بمساعدة أصدقائه، تدعى «هعولام هزيه» (هذا العالم). وقد اختار لها عنواناً ظهر في أعلى كل عدد من المجلة: «بعيداً عن الخوف والتمييز»، فنشر تحقيقات صحافية لم تكن مألوفة في الصحافة العبرية، إذ كافح فيها الفساد، وهاجم سياسة الحكومة العدوانية، ورفع شعار «دولتان لشعبين» وراح يطالب بإقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، وحارب سياسة التمييز العنصري ضد العرب، وقاد سوية مع الشيوعيين والمواطنين العرب، المعركة من أجل إزالة الحكم العسكري المفروض عليهم.واستقطبت المجلة عداء المؤسسة السياسية الإسرائيلية والأحزاب الحاكمة والمعارضة على السواء. لكنها تحولت إلى مدرسة في الصحافة الحرة. ومن أبرز تحقيقاته: تفاصيل مرعبة عن مجزرة كفر قاسم، التي حاولت فيها إسرائيل استغلال الحرب العدوانية على مصر (سنة 1956)، فأقدمت على قتل 49 مواطناً كانوا عائدين من مزارعهم بغرض تخويف من تبقى من الفلسطينيين في أرض الوطن وترحيلهم، وكشف قضيتي فساد كبيرتين تورط فيهما وزراء وعدد كبير من المسؤولين.وفي سبيل محاربته، أصدرت المخابرات العامة (الشاباك) مجلة منافسة، بهدف تحطيمه اقتصادياً، لكن مجلة «الشباك» هي التي أفلست. وفي مرحلة لاحقة، تواصل أفنيري مع الشاعر سميح القاسم والكاتب عماد شقور، واتفق معهما على إصدار نسخة عربية من مجلته حملت العنوان «هذا العالم». وكان شرطه أن ينشرا مقاله الافتتاحي فيها مقابل نشر ما يريانه مناسباً عن قضايا الجمهور العربي والشعب الفلسطيني.وتعرض أفنيري لمحاولتي اغتيال بسبب مواقفه هذه. واشترى مسدساً للدفاع عن نفسه. وقرر عندها أن الصحافة وحدها لا تكفي، فخاض الانتخابات البرلمانية وفاز بمقعد في الكنيست (البرلمان الإسرائيلي). وواصل في الكنيست طرح مواقفه الشجاعة.وفي سنة 1974، عندما بدأت الحكومة الإسرائيلية تبحث عن قادة فلسطينيين محليين يتعاونون معها على حل المسألة الفلسطينية في إطار حكم ذاتي، أعلن أفنيري عن التواصل مع منظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني. وأجرى المحادثات الأولى مع مبعوث ياسر عرفات، عصام السرطاوي، وأقنع عدداً من كبار الجنرالات السابقين في الجيش الإسرائيلي، بضرورة العمل من أجل السلام مع الفلسطينيين، وفي مقدمتهم ماتي بيلد، الذي انتخب لاحقاً للكنيست مع أفنيري. وأقام هؤلاء «المجلس الإسرائيلي من أجل السلام الإسرائيلي - الفلسطيني»، الذي اختار العمل علناً مع عرفات ومنظمة التحرير.وفي عام 1982، في ذروة حرب لبنان الأولى التي استهدفت تصفية منظمة التحرير وتدميرها، دخل أفنيري إلى بيروت المحاصرة، وبيت صديقه عماد شقور، الذي أصبح مستشاراً كبيراً لدى عرفات. وهناك التقى أفنيري ياسر عرفات، ونشر نص مقابلة مطولة أجراها معه أثناء حصاره.وقال في خطابه الذي ألقاه وهو بجانب عرفات: «حقيقة أننا نجلس هنا معا في ذروة الحرب البشعة، تشير إلى أن الشعبَين، الفلسطيني والإسرائيلي، سيجدان حلاً مشتركاً في المستقبل. أومن أنه ستقام دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل، وأن الشعبين سيعيشان بسلام معا، في دولتين ستصبحان تدريجيا جارتين تربطهما علاقات جيدة».والتقى أوري وعرفات بعدها في تونس وفي أماكن أخرى في العالم عشرات المرات، ومع الرئيس الفلسطيني محمود عباس فيما بعد. ولكن هذا لم يكن عوضا عن مشاركته الفاعلة ميدانيا في النضالات السلمية. فكان هو وزوجته يشاركان في المظاهرات الأسبوعية في بلعين بالضفة الغربية المحتلة، إلى حين توفيت قبل خمس سنوات، وأصيبا مرات عدة بقنابل الغاز التي ألقاها عليهما جنود الاحتلال الإسرائيلي.وسعى أفنيري لدى كثير من الحركات والجمعيات الأوروبية لدعم حركات السلام في إسرائيل والمناطق الفلسطينية. وأصدر أفنيري 25 كتابا، بينها: «الوجه الآخر للعملة»، الذي أوضح فيه قناعاته عن مساوئ ومآسي الحرب، وتعرض بسببه إلى نقد بالغ السلبية، وإلى انتقادات، ونبذته بسببها، نخبة المجتمع إسرائيلي التي كانت تمجد الحرب والقتل. وكذلك «الإرهاب مرض الطفولة للثورة العبرية» و«حرب أم سلام في المحيط السامي» و«من الدفاع عن النفس إلى الحرب - نحو حرب شاملة: ملف لتأملات حول الحرب الشاملة». وكان مثيراً للإعجاب بشكل خاص، كتاب عن مذكراته في جزأين: «متفائل - 1»، و«متفائل - 2»، وفيهما اعتبر المستقبل مشرقاً رغم كل الظلام.وفي وصية أوري أفنيري، طلب أن يتم حرق جثمانه، والتبرع بكل ما لديه من أموال لنشاطات من أجل السلام.يُذكر أن الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، أجرى اتصالاً هاتفياً، أمس الاثنين، مع الصحافية الإسرائيلية اليسارية عنات سراغوستي، المقربة جداً من أوري أفنيري، مقدماً التعازي، ومؤكداً أن أفنيري كان وسيبقى أيقونة من أجل السلام الحقيقي والدائم في المنطقة، مشيراً إلى انه كان من أوائل الذي أيدوا بشدة إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، ودعا إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لكل الأراضي العربية التي احتلت عام 1967. كما هاتف عباس، ناشط السلام لطيف دوري صديق الراحل ورفيق دربه، مقدماً له التعازي برحيل رجل السلام.وقال رئيس لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية، محمد بركة، إن أفنيري، كان على مدى عقود، صوتا جهوريا ضد الاحتلال، ومناديا لقيام الدولة الفلسطينية، وأسس حركة «كتلة السلام»، التي يسجل لها أنها طليعية في حركة مقاطعة المستوطنات، على المستويين المحلي والعالمي. وتابع بركة قائلا: «بالتأكيد، فإن مسيرة أفنيري في بداياتها إشكالية جداً، من ناحيتنا كشعب فلسطيني، وبالتأكيد على المستوى الشخصي، كابن لعائلة لاجئة في وطنها، إلا أن أفنيري وبقناعات كانت نتيجة لاستنتاجات، اتخذت منحى آخر، وباتت الخلافات في الرأي تتقلص، وفي العقود الثلاثة الأخيرة تقلصت إلى درجة كبيرة. وقد كرّس أفنيري قلمه في العقود الأخيرة، لموقف واضح جلي ضد الاحتلال، وضد مشروع المستوطنات. ومما لا شك فيه، أن غياب قلمه بمقاله الأسبوعي في صحيفة (هآرتس)، سيُضعف الصوت الواضح ضد الاحتلال، في ماكينة صناعة الرأي الإسرائيلية».

مشاركة :