تطرح الأوضاع الجديدة في سوريا أسئلة كثيرة يبحث الجميع عن إجاباتها، سواء أكانوا مسؤولين يريدون فهم كيفية التعامل المستقبلي مع سوريا، أم حتى رجل الشارع العادي الذي يسعى لإشباع رغبته في معرفة ما يجري من تطورات دراماتيكية سريعة قادت إلى متغيرات يمكن أن تكون “رافعة سياسية وأمنية” جديدة تشكل بداية ذات تداعيات يتفق الجميع على أن حدودها لن تقتصر على سوريا فقط؛ بل ستمتد إلى كل منطقة الشرق الأوسط، ويمكن أن يكون ما سيجري خلال المرحلة المقبلة له ارتباط وثيق بمعادلات أكبر من المنطقة. ولعل أبرز الأسئلة التي ينتظر الجميع الإجابة عنها، ما يتعلق بطريقة تعاطي الفصائل المسلحة في الفترة القادمة، وهل عناصر وقيادات هذه الفصائل ما زالت تعيش في “جلباب التنظيمات الإرهابية” التي عملت معها ولها لسنوات طويلة مثل داعش والقاعدة وغيرها أم أننا أمام تحول ونضج في تفكير وسلوك تلك المجموعة الجديدة في حكم سوريا؟ وفي ظل الخوف على وحدة سوريا، يظهر السؤال الكبير حول مدى إيمان أحمد الشرع “أبو محمد الجولاني” ورفاقه في هيئة تحرير الشام بمشروع الدولة الوطنية السورية ومؤسساتها وخاصة الجيش السوري؟ وإلى أي مدى تمتلك هذه الفصائل الإرادة السياسية والتصميم للحفاظ على وحدة الأراضي السورية كما قاتلت لسنوات من أجل الإطاحة بنظام بشار الأسد؟ وهل سيطرة إسرائيل على نحو 270 كيلومترا جنوب سوريا، وتوسع المساحات التي بات يحكمها الأكراد، مع وجود فاعلين آخرين مثل القوات الروسية والأميركية، يُرجح استحالة عودة سوريا من جديد إلى حدودها المعروفة؟ مؤشرات إيجابية يرى د. أيمن سمير، الخبير في العلاقات الدولية، في تقرير نشره مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة أن ثمة البعض من المؤشرات الإيجابية بعد سيطرة الفصائل المسلحة على مقاليد الحكم في سوريا. وبعد الإطاحة بنظام بشار الأسد، اتسم خطاب هيئة تحرير الشام وزعيمها أحمد الشرع بالخطاب الوحدوي المعتدل، الذي تحدث فيه بإيجابية عن الطائفة العلوية والمسيحيين والدروز، وأنهم شركاء في الوطن ولا يمكن طردهم أو قتلهم كما حاولت سابقا جبهة النصرة، وهو ما يقول إننا أمام خطاب سياسي يحترم الأقليات ويبتعد عن روح الانتقام. وكشفت الأيام القليلة الماضية بعد سيطرة الفصائل المسلحة على الحكم في سوريا، أن الجميع ربما مستعد لإنجاح التجربة الجديدة والتفاعل معها بطريقة إيجابية تمنح فرصة نجاح حقيقية للحكام الجدد. ومثال على هذا الأمر، تعهد سكان وشيوخ وأعيان منطقة القرداحة (مسقط رأس بشار الأسد) بالتعاون والدعم والمساندة لهيئة تحرير الشام والجيش السوري الحر في الفترة القادمة، وأكدوا أنهم دفعوا ثمنا باهظا للحرب الدائرة في سوريا منذ مارس 2011، وأنهم يتطلعون إلى عهد جديد لا يكون فيه تشييع لشباب المنطقة الذين كانوا يُقتلون في المعارك بين النظام السابق والحكام الجدد. وربما شكلت الصورة التي جمعت أحمد الشرع ومحمد الجلالي، آخر رئيس وزراء في عهد بشار الأسد، مع محمد البشير الذي تم اختياره ليقود الحكومة الانتقالية، تأكيدا لوجهة النظر التي تقول إن الشعب السوري لا يميل للمزيد من الحروب والخلافات، وإن هذه الروح المبدئية التي سادت هذا الاجتماع أرسلت رسالة للجميع في سوريا وخارجها بأن التوافق وحل المشكلات بالحوار قد يكون هو العنوان العريض للمرحلة القادمة. وتوضح المؤشرات أن الحكام الجدد في سوريا سوف يتلقون دعما على المستويين الإقليمي والدولي. فبالإضافة إلى الدعم التركي الكامل، تحدثت روسيا حول مسارات للحوار مع الفصائل المسلحة لضمان أمن المصالح الروسية في سوريا خاصة قاعدتي الجيش الروسي في طرطوس وحميميم، حيث يرتبط بقاء تلك القواعد بمدى التزام الفصائل المسلحة باتفاقية وقّعها بشار الأسد حول استضافة هذه القواعد عام 2015، ومدتها 50 عاما قابلة للتجديد 25 عاما أخرى. كما أن هناك إشارات كثيرة من الولايات المتحدة حول استعدادها لرفع الجولاني ورفاقه من قوائم الإرهاب الأميركية والدولية بعد أن رصدت واشنطن في السابق 10 ملايين دولار للقبض على الجولاني، ومن شأن هذا الموقف الأميركي أن يؤدي الدور الأكبر في تغيير الكثير من المواقف المترددة تجاه حكومة الفصائل السورية المسلحة. وبالرغم من وقوع الكثير من حوادث السرقة وإتلاف بعض المؤسسات، لا توجد ظاهرة عامة للانفلات الأمني منذ سيطرة الفصائل المسلحة على حلب، حيث كانت تترك المدينة التي تسيطر عليها للشرطة، وتتحرك إلى المدينة التالية، وفي دمشق بدأت الشرطة العمل التدريجي، كما أن المحلات التجارية عاودت نشاطها في اليوم الثالث لغياب بشار الأسد عن الحكم. ويعود ذلك عمليا إلى حظر الشرع منذ دخول حلب وحماة أي نوع من المساس بالمؤسسات أو الممتلكات العامة والخاصة. تحديات ومخاوف على الرغم من كل المؤشرات الإيجابية السابقة، تبقى هناك مخاوف حقيقية من تحول سوريا إلى بؤرة جديدة لعدم الاستقرار في المنطقة، وذلك لعدد من الأسباب. وهناك اتفاق بين دُعاة الدولة المدنية على أن من يدخل الجماعات الأيديولوجية المتطرفة مثل داعش والقاعدة لا يخرج منها، ويظل أسيرا لأفكارها وتوجهاتها مهما تغيرت ملابسه الخارجية أو عاد إلى اسمه الأصلي. ويطرح هؤلاء مجموعة من السلوكيات التي تؤكد صعوبة تغيير تفكير أو أيديولوجية الجماعات السورية المسلحة، ومنها تخلص زعيم هيئة تحرير الشام من كل المنافسين له بالقوة في إدلب خلال الشهور القليلة الماضية، وأن المقاتلين معه لهم مواقف تسعى لقتل الذين يختلفون معهم في الفكر. ويؤكد هذا الفريق أنه من الصعب على شخص مثل الشرع، الذي قاتل بجانب أبي مصعب الزرقاوي وأبي بكر البغدادي، أن يكون شخصا مختلفا بعد أن وصل إلى الحكم وباتت لديه سلطات هائلة. ووفق هذه الرؤية، فإن الفصائل المسلحة تستخدم “التقية السياسية” لكسب دعم وتأييد القوى الوطنية والخارجية، وبعد ذلك ربما تعود إلى سلوكياتها المعروفة في القتل والانتقام. ولا تزال عناصر وقيادات الفصائل المسلحة السورية تتلقى دعما خارجيا، وهذا ما يفسر حصولها على السلاح والذخيرة والطائرات المُسيَّرة والصواريخ المضادة للدروع التي اجتاحوا بها دفاعات الجيش السوري. لكن أكثر ما يقلق داعمي الدولة الوطنية في سوريا هو تهنئة تنظيم القاعدة للشرع بالرغم من تأكيده انفصاله وخلافه مع القاعدة، فضلا عن أن الجماعات الأصولية وذات الأيديولوجيات المتطرفة وحواضنها الشعبية كانت الأكثر سعادة وترحيبا بسيطرة الفصائل المسلحة على الحكم في سوريا. واشتكى الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية من أن اختيار محمد البشير رئيس الحكومة المؤقتة وخطوات تشكيل الحكومة الحالية لم يتم التشاور حولها بين الفصائل المسلحة والائتلاف، وهي قد تكون “مقدمة سلبية” نظرا لتاريخ الائتلاف الوطني السوري الذي تشكل مع الأيام الأولى للمظاهرات ضد الأسد عام 2011، ويُنظر إليه على أنه أكبر تجمع للقوى المدنية والعسكرية السورية التي عارضت الأسد على مدار سنوات، وخاضت أيضا معه جولات المفاوضات الكثيرة في جنيف وأستانة وسوتشي. ومن شأن تجاهل الائتلاف الوطني السوري أن يرسل رسالة مبكرة برغبة هيئة تحرير الشام في الانفراد بالحكم، نظرا لوجود قوى مدنية وعلمانية كثيرة في الائتلاف الوطني. ولهذا قال عبدالمجيد بركات، نائب رئيس الائتلاف، إن الأخير يسعى إلى دستور حقيقي وانتخابات نزيهة، وأن الناخب السوري هو الذي يختار الرئيس ورئيس الحكومة. كما انتقد البعض اختيار البشير ليكون رئيس الحكومة المؤقتة في ظل انتمائه إلى جماعة الإخوان المسلمين وكونه مقربا من الشرع، مما يشير إلى أن الاختيار جاء لأسباب شخصية وليس بمعيار التوافق والقبول من الجميع. سيناريوهات محتملة ما بين المؤشرات والنظرة الإيجابية، وأيضا التحديات والمخاوف، يمكن رسم عدة سيناريوهات محتملة لمستقبل الأوضاع في سوريا. ويتلخص الأول في السيناريو الذهبي وهو ما يأمله الجميع ويقوم على تأسيس دولة ديمقراطية حديثة تقف على مسافة واحدة من الجميع، تتساوى فيها الأغلبية مع الأقليات. ويبدأ هذا السيناريو برسم خارطة طريق تعتمد خطوات واضحة لوضع دستور جديد، وانتخاب الرئيس والبرلمان، وتحديد نمط العلاقة مع الدول العربية والإقليمية والدولية. وهذا هو السيناريو الوحيد الذي يمكن أن يحافظ على وحدة وسلامة سوريا، وربما هو الأصعب في تحقيقه. وأما السيناريو الثاني فيقوم على منح حقوق ضخمة أكبر من الحكم الذاتي للمكونات السورية الرئيسية مثل السُنة والعلويين والمسيحيين والدروز وغيرهم، على أن تتشكل دولة فيدرالية تجمع كل هؤلاء. وهذا النموذج قريب من التفكير الأميركي والأوروبي وقد تدعمه إسرائيل. وثالثا قيام دولة ضد الشيعة وهي رؤية كانت تعمل عليها إسرائيل منذ اندلاع الأحداث في سوريا عام 2011، وترى أن وجود دولة سورية “مُعادية للشيعة” يمكن أن يُنهي أي دور للمحور الإيراني في المنطقة بالكامل، لأنه وقتها لن يكون هناك أي تواصل بين الشيعة في العراق وسوريا وحزب الله في لبنان. وهذا هو السيناريو المفضل لإسرائيل. وأما رابعا فهو سيناريو تجربة طالبان أفغانستان حيث يتسق هذا السيناريو تماما مع أفكار ورؤية الجماعات المسلحة التي تقول إنها تريد إنشاء جمهورية إسلامية سورية تراعي حقوق الأقليات، ودون الاعتداء على أصحاب المذاهب الأخرى بناءً على تطبيق صحيح الدين كما تقول. وهو خطاب قريب جدا من حركة طالبان في أفغانستان. ووفق هذا السيناريو، ستكون “هيئة تحرير الشام” ومعها التيار السلفي القلب الصلب لهذا المشروع. وأخيرا سيناريو التقسيم إلى دويلات حيث يفترض هذا السيناريو تقسيم سوريا إلى دويلات وفق “حدود الدم”، و”إعادة هندسة خرائط المشرق العربي”، كما تحدث عنها كل من البريطاني برنارد لويس والأميركي رالف بيترز. وفي ظل الأطماع الإقليمية والدولية في سوريا، فإن هذا السيناريو ليس مستبعدا على الإطلاق.
مشاركة :