عودة المقاتلين التونسيين من بؤر التوتر: اختبار للدولة وجدية إصلاحاتها

  • 2/28/2017
  • 00:00
  • 5
  • 0
  • 0
news-picture

أكبر تحد يواجه الدولة التونسية على الصعيد الداخلي في ملف عودة المقاتلين هو إيجاد حزمة سياسات ناجحة.العرب  [نُشر في 2017/02/28، العدد: 10557، ص(6)]خطر أمني محدق تونس – ليست مصر فقط التي تعيش حالة استنفار أمني بسبب عودة الجهاديين إلى أراضيها مع تنامي هزائم التنظيمات المتطرفة في سوريا وليبيا والعراق، وإنما تونس أيضا باتت تعطي أولوية لتطويق خطر عودة الجهاديين. ويعيش الشارع التونسي منذ فترة قلقا متزايدا بشأن مسألة العائدين من بؤر القتال، وتداعياتها على الاستقرار الأمني للبلاد، ونظمت مسيرات للمئات من التونسيين في مناطق مختلفة احتجاجا على ذلك، وفي مساع للضغط من أجل منع عودة “الإرهابيين التونسيين” من بؤر القتال. ولا يؤيد أغلب التونسيين فكرة إعادة دمج العائدين من بؤر التوتر، حتى لو كان ذلك في إطار السماح بعودتهم من أجل محاكمة البعض منهم ومراقبة الآخرين أمنيا. من الناحية القانونية، لا يوجد أي إشكال يمنع عودة المقاتلين التونسيين، وفق ما أكده جوهر بن مبارك، الحقوقي والأستاذ في القانون الدستوري. لكن من ناحية تطبيق هذه العودة على أرض الواقع هناك مجموعة من التحديات، منها الرفض الشعبي، ومنها أيضا تعقيدات الأوضاع السياسية والميدانية سواء في بؤر التوتر أو في تونس. واعتبر بن مبارك في تصريح لـ”العرب”، أن الجدل الشعبي الذي أثير حول مسألة عودة المقاتلين هو زوبعة في غير محلها؛ فتونس لها إطار قانوني ودستوري قادر على مواجهة هذه الإشكالية المعقدة. لكنه يقرّ بضرورة أن تتحمل الدولة التونسية تبعات أعمال أبنائها وسلوكهم في الخارج. وحتى تتجنب الدولة تبعات استقبال المقاتلين العائدين على المدى البعيد عليها إصلاح المنظومة الأمنية وتحسين وضعية السجون ومراقبتها؛ فالإرهابيون متواجدون أيضا في السجون التونسية و”تخرجوا” منها. في المقابل، وصف النائب منجي الرحوي، القيادي في الجبهة الشعبية، الدعوة إلى قبول عودة المتشددين التونسيين من بؤر التوتر بأنها “مخطط لتدمير تونس”، مضيفا “لن نقبل ذلك، وسنعمل بجميع الطرق القانونية على رفض عودة من تلطخت يداه بدماء الأبرياء، ويمثل خطرا على المجتمع التونسي”. وشدد الرحوي، في تصريح إذاعي على “ضرورة الوقوف بقوة في وجه أطراف سياسية تدعو صراحة إلى عودة المتشددين، وتحويل تونس إلى فضاء يرتعون فيه”. وتمثّل دراسة الحالة التونسية تجاه مسألة عودة المقاتلين من ساحات القتال في سوريا والعراق، وكيفية استيعابهم، ومخاطر ذلك بين التأييد والرفض، مدخلا رئيسيا لفهم ظاهرة عودة المقاتلين الأجانب إلى أوطانهم الأصلية، ما يتطلب استعراض الجدل القائم حول هذه العودة، وتحديات ما بعد العودة، وإفرازاتها المحتملة على الدولة في حدودها الجغرافية الوطنية وعلى الأمن الإقليمي. وفي هذا السياق، تتنزل دراسة أعدها مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، حملت عنوان “لحظة الاختبار: التحديات الداخلية والإقليمية لعودة المقاتلين إلى تونس”؛ وفيها يرصد الباحث سامي السلامي تحديات ما بعد العودة، مشيرا إلى أن عودة المقاتلين تشكل أحد أكبر التحديات الأمنية التي ستواجه الدول المغاربية، وخاصة تونس خلال السنوات المقبلة، وهو أمر يتطلب وضع سياسات فعالة لمكافحة التطرف والإرهاب، تتناسق مع التزامات الدولة بالقانون الدولي لحقوق الإنسان. ولعل أكبر تحد يُواجه الدولة التونسية على الصعيد الداخلي في هذا الملف، هو إيجاد حزمة سياسات ناجحة. وتشكل مبادئ مدريد التوجيهية التي جاءت في تقرير لجنة مكافحة الإرهاب التابعة لمجلس الأمن بتاريخ 15 ديسمبر 2015، خارطة طريق واضحة المعالم، تنبني على ثلاثة محاور رئيسية: * الكشف عن أعمال تحريض المقاتلين الإرهابيين الأجانب، وتجنيدهم وتيسير أنشطتهم، والتدخل للتصدي لها. * منع سفر المقاتلين الإرهابيين الأجانب بكافة التدابير الرامية إلى تعزيز أمن الحدود. * تدبير عودة المقاتلين الإرهابيين الأجانب إلى أوطانهم الأصلية. وبخصوص المحور الأخير المتعلق بعودة المقاتلين يتوجب على الدولة التونسية اتباع مقاربة شاملة تنبني على توقيف المقاتل ومتابعته قضائيّا وتأهيله وإعادة إدماجه. وتنقل الدراسة عن مؤشر الإرهاب العالمي لسنة 2016 الصادر عن معهد الاقتصاد والسلام، أن الدول المغاربية ضمن المستوى المتوسط من حيث التهديدات. وبحسب نفس المؤشر الذي يعتمد على مقياس تنازلي من أعلى مستوى للتهديد 10 إلى أقل مستوى 0 (أي انعدام أي تهديد)، يُعد المغرب الدولة الأقل تهديدًا في شمال أفريقيا بدرجة 0.892 مقارنة بالجزائر 4.282 وتونس 4.963 وليبيا 7.283. وبالرغم من أن مستوى التهديد يبقى في مداه المقبول ضمنيًّا بالنسبة للمغرب والجزائر وتونس، إلا أنه من المتوقع على المدى القريب والمدى المتوسط أن يرتفع منسوب التهديدات الأمنية في ظل عدم ثبات معايير السلام في الدول المغاربية، والتي يحددها معهد السلام والاقتصاد العالمي في ثلاثة معايير، هي: مستوى الأمن والأمان في المجتمع، ومستوى الصراع المحلي والإقليمي، ودرجة التزود بالقوى العسكرية، وهو ما يستوجب من هذه الدول: * تجاوز الخلافات السياسية، والتأسيس لتعاون أمني وثيق لضبط المعابر الحدودية. وهنا على النظام الجزائري اتباع الواقعية كضابط للعلاقات الدولية، وبناء علاقات براغماتية مع الجانب المغربي، تبدأ بقبول فتح الحدود بين الدولتين، والتفاهم على آليات ضبطها. * تبادل المعلومات بين أجهزة الاستخبارات العامة في دول المنطقة في كل ما من شأنه تعزيز الأمن الإقليمي. * تبادل التجارب في آليات وأدوات تدبير ومواجهة التطرف والإرهاب، وهنا وجبت الاستفادة من التجربة المغربية الرائدة في محاصرة التشدد وتأهيل وإدماج المتشددين، وفق مقاربة متعددة الأبعاد (أمنية وقانونية ودينية وثقافية وسياسية). وتخلص الدراسة إلى أن نجاح أي استراتيجية وطنية لإدماج المقاتلين الإرهابيين العائدين من ساحات القتال لن يتحقق إلا بمعالجة الظروف المؤدية إلى التطرف والإرهاب، واستئصال البيئة الحاضنة للفكر المتطرف، وبناء قدرات الدولة على منع الإرهاب ومكافحته، في احترام تامّ لالتزامات الدولة تجاه حقوق الإنسان وسيادة القانون، مع التأسيس لشراكة إقليمية تنبني على التعاون وتبادل المعلومات في الميدان الأمني، في إطار الاستراتيجية الدولية لمكافحة الإرهاب.

مشاركة :