بدأت شخصية قائد الانقلابيين الحوثيين عبدالملك الحوثي تثير الكثير من التساؤلات وتضع عددا من علامات الاستفهام حول حياته التي يحيطها بالسرية التامة، وكيف تحول من ناقل وبائع للرمل الأبيض، إلى قائد ميليشيات مسلحة تجتاح المناطق والمحافظات اليمنية، وكيف انتقل إلى حياة الزعامة والتحكم في مصير دولة بأكملها، حتى أعادته ضربات الإنقاذ التي تشنها طائرات عاصفة الحزم إلى حياة الكهوف والمخابئ السرية ليصبح المطلوب الأول لقوات التحالف. يقول مصدر مقرب من جماعة الحوثي، اشترط عدم ذكر اسمه إن عبدالملك الذي ولد في منطقة جمعة بن فاضل بمديرية حيدان في محافظة صعدة عام 1399، عاش طفولة بائسة في قرية ريفية مع ستة من إخوته، وإنه لم يلتحق بالدراسة في المدارس الحكومية، ولم يحصل على أي شهادة علمية، لكنه تتلمذ على يد والده بدرالدين الحوثي وتنقل معه بين قرى جمعة بن فاضل، وضحيان، وآل الصيفي، ومران، وعندما رصدت الأجهزة اليمنية تحركات مشبوهة لوالده في التسعينات قامت بملاحقته وعدد من معاونيه ثم نفته إلى إيران، بعد تدخل وساطات قبلية لدى الرئيس المخلوع علي صالح الذي وافق على السماح له بمغادرة اليمن. بيع الرمل وتضيف المصادر أن عبدالملك بقي بعد نفي والده مثقلا بالكثير من صعوبات الفقر ومتطلبات الحياة، هو وأشقاءه ووالدته. فأعطاه أحد أهالي جمعة بن فاضل سيارة نقل ليقوم بنقل الرمل الأبيض "البطحاء" من أحد الأودية وبيعه على أهالي القرية. فانعكست حياة ضيق العيش سلبا على شخصيته، فنشأ وبداخله رغبة في الانتقام من المجتمع اليمني، وهذا ما تجلى بوضوح في حالة هستيريا القتل والتشريد التي مارسها ضد الشعب اليمني، حتى تدخلت قوات التحالف لإيقاف تلك الانتهاكات. بعد أن التحق شقيقه حسين مؤسس جماعة الحوثيين بالبرلمان اليمني، انتقل عبدالملك ليصبح أحد أفراد حرسه الشخصي، فتأثر بالكثير من أفكاره، مثل الإعجاب بثورة الخميني في إيران. وفي هذه الفترة بدأت مداركه السياسية والفكرية تنمو من خلال متابعته للأخبار وقراءة الصحف. خاصة بعد حرب الوحدة صيف 94. كما سارع بالانضمام إلى ما عرف وقتها باسم "منتديات الشباب المؤمن"، وهي واجهات لعمل سياسي يتم في الخفاء. بداية الظهور بدأت السلطات اليمنية تشعر بخطورة تحركات جماعة الحوثي في منتديات الشباب المؤمن التي تحولت إلى معسكرات تتدرب على القتال المسلح. حينها قام المخلوع بحظر أنشطة التنظيم، وأرسل حملات عسكرية إلى منطقة مران التي اتخذ منها شقيقه حسين مقرا له، فقوبلت تلك الحملات العسكرية بمواجهة مسلحة، ولم تستطع السلطات إغلاق تلك المنتديات لتندلع شرارة الحرب الأولى التي انتهت بهزيمة الحوثيين ومقتل مؤسس الحركة في جرف سلمان بمنطقة مران في سبتمبر 2004. كان عبدالملك حينها يقود جبهة الحرب في منطقة جمعة بن فاضل حتى ضيق الجيش اليمني الخناق عليه وانسحب مع من تبقى من مسلحيه إلى منطقة الرزامات في نشور بمديرية الصفراء، وتولى قيادة التنظيم حينها الرجل الثاني في الحركة عبدالله عيضة الرزامي. حيث لم تظهر شخصية عبدالملك في تلك الفترة، لتعاود السلطات ملاحقة ميليشيات الحوثي ونشبت الحرب الثانية التي انتهت بهروب الحوثيين من نشور ليهرب من تبقى منهم وبينهم عبدالملك إلى مناطق جبلية تدعى مطرة ونقعة. قيادة الحركة على الرغم من حداثة سن عبدالملك إلا أن والده الذي كان قد عاد من المنفى في إيران خضع تحت الإقامة الجبرية في صنعاء، لكنه تمكن من الهرب إلى صعدة. وكان ذلك الشرارة الأولى للحرب الثالثة، حيث أوكل مهمة قيادة الجماعة إلى نجله عبدالملك بدلا من الشيخ الرزامي. وعندها ظهر اسم عبدالملك بعد قيادته المعارك المسلحة والتمرد على الدولة. ففي الحروب اللاحقة تمكن من الحفاظ على كيان الحركة حتى فبراير 2010 واتخذ من منطقة مطرة التي جمعت بين السهل والجبل والبعد عن السكان على الحدود السعودية اليمنية منطلقا لتمرده، مستغلا مساحاتها الشاسعة في تدريب ميليشياته وتخزين أسلحته وما سرقه من الجيش اليمني، واستخدمها سكنا لأتباعه وسجنا لمعارضيه. عندما اندلعت ثورة الشباب في 11 فبراير لعام 2011 على الرئيس المخلوع صالح، نجح وفد سياسي من أحزاب اللقاء المشترك الذي زار صعدة في إقناع جماعة الحوثي بالمشاركة في الثورة على صالح. وتم الاتفاق على عدد من النقاط جمعت فيما سمي باتفاق ضحيان. لكن عبدالملك وجماعته رفضوا التوقيع بعد نجاح الثورة الشبابية على المبادرة الخليجية كمخرج للأزمة السياسية في اليمن. ليعود بعد ذلك قائد الجماعة ويوافق على المشاركة في مؤتمر الحوار الوطني، ووقع ممثل عنه على مخرجاته، ليلتف بعد ذلك على مخرجات الحوار ليبدأ حينها بتقويض العملية الانتقالية وبسط نفوذه على الكثير من المدن اليمنية، واستغل عبدالملك إعلان حكومة باسندوة رفع الدعم عن المشتقات النفطية للتلاعب بمشاعر اليمنيين، ليوجه جماعته بقيادة الاحتجاجات التي مكنتها من الدخول إلى صنعاء والسيطرة على مرافق الدولة تحت مسمى ثورة 21 من سبتمبر 2014. استغلال المذهبية يقول محلل سياسي يمني "عبدالملك الحوثي يعيش في مكان غير معروف لقلة مؤيديه. ولا يعرف عنه كثرة تحركاته، حتى داخل محافظة صعدة التي يسيطرون عليها وتعد معقلهم الرئيس. ولا يتمتع الرجل بصفات قيادية كحال شقيقه الراحل، إذ إنه ليس قائدا عسكريا، ولا يملك مؤهلا علميا، ولا يجيد الخطابة بطلاقة، وكل مؤهلاته إحاطة نفسه بمزيد من الغموض والسرية بحياته، وكيفية برنامجه اليومي". الحوثي يدرك نفسيات أتباعه وعقلياتهم التي تؤمن بالتسليم لتوجيهاته، وتعتبره الملهم الذي لا يخطئ، والقائد المخلص، ومن هنا نفهم لماذا يلتفون حوله، على الرغم من أنه لا يخاطبهم مباشرة إلا من وراء حاجز زجاجي في المناسبات النادرة أو الكلمات التلفزيونية. وأكد مصدر أمني يمني أن عبدالملك يحيط نفسه بالغموض ويتنقل في سرية تامة ومحصور في أماكن سرية تتبع لمحافظة صعدة. حتى الوفود التي كانت تصل إلى مطار المحافظة قبل ضربات عاصفة الحزم كان لا يستقبلها شخصيا، ويوفد ممثلين عنه لاستقبالهم. ثم ينتقل الوفد بسيارات الحوثيين لمدة ساعة حتى الوصول إلى مقره في منطقة مران. العودة للكهوف يؤكد نفس المصدر الأمني أنه على الرغم من تسارع الأحداث التي شهدتها اليمن، وصولا إلى بدء عمليات عاصفة الحزم التي طلبها الرئيس هادي لاستعادة الشرعية في بلاده، فقد نجحت الضربات الجوية المتقنة والمتلاحقة لمواقع الجيش في دك مخازن الأسلحة وأوكار الحوثيين، مما أحدث إرباكا في صفوفهم، أجبر عبدالملك على التخلي عن غطرسته، والعودة إلى حياة الكهوف التي يختبئ بداخلها هذه الأيام. حيث انتهى منذ اليوم الأول لعمليات عاصفة الحزم ظهور قائد الانقلابيين، خاصة في قناة المسيرة التابعة للجماعة التي كان يظهر فيها باستمرار في خطابات مباشرة.
مشاركة :