يسوق «ملالي» إيران «الشيعة العرب» نحو غياهب «جُب فارسي»، من شأنه سلخ مكون عربي أصيل عن أنساقه الحضارية والتاريخية، وإلحاقه -في علاقة مشبوهة- بـ «طهران الفارسية»، ضمن مسعى يستند إلى دعاوى مُضلله لبسط الهيمنة على المنطقة «التوظيف السياسي»، الذي تسعى إليه طهران، لـ «الدعاوى المذهبية»، المستندة إلى فكرة إثارة المكونات الشيعية العربية، واستقطابها كأدوات تأزيم للداخل العربي، في سبيل تمكين «العمائم الفارسية» من المنطقة، والاستحواذ على الواجهة الشرقية للعالم العربي، بات اليوم أكثر وضوحاً خاصة مع الإعلان عن الجوهر القومي لهذا المشروع، لكنه أيضاً في «عين العاصفة»، ففي الأفق تلوح فرصة تاريخية لتقويض «الجاني الفارسي» من قبل، تهاوى «عرش كسرى»، ودان تاجه، وعما قليل تدحرجت «عمائم الملالي» في اليمن، فيما تتواصل الجهود لاستعادة «الضحية»، الشيعة العرب، لدورهم في نسقهم الوطني والقومي العروبي، الذي فقدوه -ذات يوم- لخلو المنطقة من مشروع عربي قادر على دحر «الحلم الفارسي الآثم»، وفق سياسيين وخبراء استطلعتهم «اليوم». غياب عروبي يميز النائب العراقي السابق د.كامل الدليمي، الذي استطلعته «اليوم» عبر الهاتف من بيروت، بين فريقين من «الشيعة العرب»، الأول -بحسبه- «وطني عروبي، قابض على الجمر، ومنحاز لوطنه وأمته»، والثاني «جرفه السيل الفارسي، واقتاده كتابع ضمن إستراتيجية تسعى إلى الهيمنة على المنطقة». ويضيف د.الدليمي، الذي يزور بيروت للقاء شخصيات وطنية عراقية -سنية وشيعية- في إطار البحث عن مشروع نهوض وطني في العراق يوقف التمدد الفارسي، «للأسف الشق الأول من الشيعة العرب بات تحت وطأة الضغط الفارسي، فيما يفتقد لأدنى الخيارات، التي تسمح له بالحفاظ على هويته القومية، والتصدي للمشروع الفارسي، فيما الشق الثاني ليس أكثر من ضحية جرفته الدعاوى والمزاعم الفكرية، أو الاغراءات المادية، التي مارستها القوى السياسية الموالية لطهران». «الخط الوطني العروبي»، يقول الدليمي، بات اليوم «على المذبح الفارسي» في ظل «غياب مشروع قومي حقيقي، وتجاهل عربي رسمي، تحت شعارات عدم التدخل في الشأن العراقي، فيما تسرح ملالي إيران بكل حرية». ويتفق مع هذا المستشار في المركز العراقي للدراسات د.حيدر سعيد، الذي يرى أن «الغياب العربي دفع شيعة العراق نحو إيران، التي استطاعت استمالتهم، وبناء نظام أحادي في عراق ما بعد الاحتلال». ويرى د.سعيد أن «القوى السياسية الشيعية العراقية أخفقت في بناء نموذج تعددي ديمقراطي في العراق بعد العام 2003، واستبدلته بنموذج أحادي احتكاري تسلطي عبر الأعوام الثمانية من حكم نوري المالكي، بينما العرب رفضوا الاعتراف بالقوى الشيعية الصاعدة، لعدة أسباب، من بينها خشية العرب من المشروع الأمريكي، الذي كان يتحدث عن التغيير السياسي في المنطقة العربية بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر2001». التوظيف السياسي الغياب العربي عن الداخل العراقي، بعد الاحتلال الأمريكي، وتزامنه مع مسعى إيران إلى خلق نظام سياسي في العراق موالٍ وتابع لها، دفعا بـ «ملالي طهران» إلى جنون العصبية، لتطلق تكتيك «التوظيف السياسي» الخارجي لخدمة مشروع الهيمنة على المنطقة. يقول الكاتب والباحث العراقي د.جاسم الشمري، عبر الهاتف لـ «اليوم»، «إن إيران استخدمت المذهب الشيعي، ووظفته في تحقيق أهداف سياسية، وتحقيق مكتسبات ونفوذ في العالم العربي»، معرباً عن أسفه لهذا التوظيف السياسي للدين والمذهب ويضيف د.الشمري «حكام طهران تغنوا بحب المذهب وآل البيت، ودفاعهم -المستميت- عن الشيعة في كل مكان، وبالذات في العالم العربي، ما جعل بعض الأطراف الشيعية السياسية العربية -للأسف- تندفع لتحقيق أهداف إيران السياسية». ويرى الشمري أن «روح العداء»، التي أذكتها إيران بين المذاهب، أسهمت في «استمالة بعض القيادات الشيعية السياسية العربية لصالح المشروع الإيراني، وبما يحقق مكاسب إيرانية في العديد من الدول». تصدير الملالي ثمة تاريخ ممتد لسعي «ملالي طهران» تصدير «العمائم الفارسية» إلى المنطقة العربية، وتشكيل طوق يمتد في محيط الواجهة الشرقية للوطن العربي، ومن ثم يتغلغل فيها، وهو ما عرفته الأدبيات السياسية بـ «تصدير الثورة»، وهي الثورة التي أطلقها الخميني، والتي رافقها تصدي العراق في عهد الرئيس الراحل صدام حسين لها. يقول اللواء زنون يونس، لـ «اليوم» عبر الهاتف: «إن مشروع تصدير الفكر الشيعي الفارسي واكب وصول أية الله الخميني إلى إيران، وكانت المنطقة الأولى للاستهداف العراق، التي جوبهت بالمناداة بولاية الشيعة العرب للفقيه الفارسي» ويضيف يونس «المنطقة العربية، ومن ضمنها العراق، لم تشهد أية بروزات للمذهبية ذات ثقل في أنساقها الاجتماعية والسياسية، إلا أن الانسجام - المذهبي والطائفي والديني والعرقي- بدأ بالاهتزاز مع الثورة الإيرانية، وتصدع مع الاحتلال الأمريكي للعراق، وما ترتب عليه لاحقاً من تمدد النفوذ الفارسي، الأمني والسياسي والعسكري والمذهبي، في تفاصيل المشهد العراقي». ويرى اللواء يونس «أن دبابات الاحتلال الأمريكي حملت القيادات الشيعية الفارسية إلى العراق لتشكيل قوى حزبية وسياسية، تتولى بناء نظام موالٍ لطهران، وهو ما نجح عملياً بنسبة 80%» ويسجل اللواء زنون يونس ملاحظات ميدانية على «وطنية الشيعة العرب»، في العراق، ويروي «سخطهم على ما آلت إليه الأمور» في بلاده، مبيناً «ان غالبية الشيعة العراقيين ترفض هذا الواقع، وترفض تموضع العديد من قياداتها السياسية والمذهبية على الجانب الإيراني، بيد أنها عاجزة عن مواجهته، واستعادة دورها الوطني، في ظل السطوة الأمنية والعسكرية الفارسية على الحكم في العراق». فارق وطني ثمة فارق جوهري في موقف «الشيعة العرب»، حيال انتمائهم وامتدادهم الوطني والقومي، وبين قياداتهم المذهبية والسياسية، التي راحت بعيداً في الاصطفاف في ذيل الطرف الفارسي، ما يثير استفهاماً رئيسياً حول أصول هذه القيادات، وهو ما تكشف عنه الدراسات بأن غالبية القيادات الشيعية التابعة تعود إلى أصول فارسية وليست عربية ويتفق مع هذا الكاتب والباحث العراقي د.جاسم الشمري، ويقول «إن الخير موجود في الكثير من الشيعة العرب»، مبيناً أن المقصود بقوله «عموم الشيعة العرب»، و «ليس القيادات الدينية والسياسية»، التي انساقت في المشروع الفارسي. ويرى الشمري أن غالبية القيادات الشيعية فشلت في الاختبار الوطني أو القومي، وانحازت إلى مرجعيتها المذهبية وتأثرت بها في أدائها الوطني، دون أن يعني هذا الغياب التام للمرجعيات الشيعية المناوئة للمشروع الفارسي. ويشير د.الشمري إلى مراجع شيعية في غالبية الدول العربية تتمسك بموقفها الوطني والقومي، وتعتز بعروبتها وإسلامها، وتدعو إلى عدم الجري نحو التشيع الفارسي، ويحاربون الهيمنة العقائدية والسياسية الفارسية بطريقة شرسة، وهذه مؤشرات دافعة ومحفزة للأمل بضرورة العمل تجاه هذه القوى وغيرها لإفشال المخططات الإيرانية الدقيقة والطويلة الأمد. مذهبي أم فارسي؟ يسعى «ملالي طهران» إلى اضفاء طابع مذهبي على الصراع السياسي الدائر، في محاولة للزج بالمكونات المذهبية والطائفية العربية في أتون معركة الكل فيها خاسر، فيما هي تكسب الجولة السياسية بتحقيق الحلم الفارسي الآثم، على مستويين، إضعاف الحالة العربية، وفرض الهيمنة الفارسية كخيار أوحد لملء الفراغ. ويميّز وزير الإعلام الأردني الأسبق سميح المعايطة بين المذهبي والسياسي في الصراع الدائر، ويقول «يجب الفصل بين التناقض والصراع مع إيران، ومن يتبعها من أحزاب وميليشيات وتنظيمات، وبين الصراع بين مكونات المجتمعات العربية، من سنة وشيعة». «ثمة أهمية لهذا التمييز»، يقول المعايطة، ويضيف «ان تحويل الصراع السياسي مع إيران إلى صراع بين مكونات المجتمع العربي، داخل كل دولة، يعني -بالضرورة- خدمة إضافية للباحثين عن النفوذ في دولنا، وسيدفع بدولنا إلى حالة من الاستنزاف طويلة الأمد، ستنال من الأنظمة والجيوش وأجهزة الأمن، فضلاً عن ضياع الحياة الإنسانية والاجتماعية، وانقسام الأرض والإنسان». ويزيد المعايطة «الشيعة العرب مكون اجتماعي عربي أصيل، لذا لا بد من الفصل الكامل بينهم وبين المشروع الفارسي، بما يحول دون تمكّن القوى السياسية الشيعية العربية، التي تدين بالولاء المذهبي والسياسي والأمني لإيران الفارسية، وتعتمد عليها بالتمويل المالي والعسكري، من التمدد والهيمنة على الشيعة العرب، ومن ثم دول المنطقة». سنة فارسيون! تجاوزت «ملالي طهران» حدود التفكير بإخضاع «الشيعة العرب» لولايتها، بعد اخضاعها للعديد من قياداتهم السياسية في العراق، وانتقلت إلى مرحلة استقطاب موالين «سنة عرب» لمشروعها التوسعي، هذا ما يؤكده النائب العراقي السابق د.كامل الدليمي. يقول الدليمي: «إن المشروع الفارسي في العراق تجاوز مرحلة الاكتفاء بتبعية القيادات السياسية الشيعية، وانتقل إلى مرحلة جديدة، تتضمن استقطاب السنة العرب لصالح هيمنتها وتكريس نفوذها». ويبين د.الدليمي «ان مشروعاً فارسياً، مدعوما بقوة، على مستويين فكري ومالي، بات يستميل العديد من القيادات السنية العربية في العراق، ويسعى إلى توظيفها في إستراتيجيته الهادفة لتعزيز هيمنته وتكريس تبعية العراق لطهران، ولعل إعلان علي يونسي، مستشار الرئيس الإيراني حسن روحاني، منذ أيام أن إيران اليوم أصبحت إمبراطورية، كما كانت عبر التاريخ، وعاصمتها بغداد حالياً، دلالة صريحة على جوهر وطبيعة التمدد الحاصل». «حزم» و «حسم» سعودي «عاصفة الحزم»، ذات الجوهر السعودي، شكلت أنموذجاً مثيراً للمراقبين، الذين استطلعتهم «اليوم»، وتعتبر «آلية حاسمة» في مواجهة المشروع الفارسي، سواء ذاك الذي يستهدف استمالة «الشيعة العرب»، أو الذي يستبطن الاستحواذ على الدول العربية، كما هو حاصل في العراق. ويرى د.الدليمي أن عاصفة الحزم، التي جادت بها المملكة العربية السعودية في اليمن، شكلت أنموذجاً حاسماً في مواجهة التغول الفارسي، ويزيد «السعودية استطاعت تحطيم الحلم الفارسي في اليمن، وإيصال رسائل شديدة اللهجة إلى ملالي طهران»، معولاً على المزيد في جبهات أخرى، من بينها العراق. ويتفق اللواء زنون يونس مع ما ذهب إليه الدليمي، ويؤكد «ان العهد الجديد في السعودية، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، أرسى أنموذجاً في مواجهة التمدد الفارسي، أعاد الاعتبار إلى الشيعة العرب، الذين فقدوا الحاضنة القومية لسنوات عديدة بعد الاحتلال الأمريكي للعراق وانهيار النظام الوطني العراقي» ويدعو اللواء يونس إلى خطوات تستعيد العراق إلى حاضرته القومية، وتقوض المد الفارسي، وتحمي الوطنيين من الشيعة العرب، الذين باتوا فريسة دون أدنى إسناد عربي ويؤشر اللواء زنون يونس على «توفر اللحظة الحاسمة لحماية الشيعة العرب من النفوذ الفارسي»، مبيناً أن «المد القومي، الذي كرسته سياسة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، يشكل أهم الأدوات الرافعة لمشروع بهذا الحجم، يكون قادراً على استعادة الأوطان العربية مما حل بها من شقاق داخلي». من جهته، يقول الخبير العراقي د.جاسم الشمري «إن السياسة السعودية الجديدة في العالم العربي تشكل داعماً رئيسياً وأوحد لقضايا الأمة الشائكة، وتمتلك أدوات الضغط على الأطراف الفاعلة في العالم، بما يحمي الشيعة والسنة العرب، سواء في العراق أو غيرها من الدول العربية، وذلك عبر إنهاء آثار الاحتلال الأمريكي، الاقتصادية والسياسية، وإيقاف تغول المليشيات الشيعية المدعومة من حكومة بغداد، والحرس الثوري الإيراني، وتحقيق مطالب أبناء المكون السني الدستورية والقانونية». خطة عمل وفي مواجهة المشروع والاستراتيجيات الفارسية تتولد الضرورة لخطة عمل عربية، تتجاوز التفكير التقليدي، وتذهب بعيداً لتجنيب «الشيعة العرب» أولاً، و «الدول العربية» ثانياً، النفوذ الفارسي، عبر توفير الروافع الداعمة لارتباط «الشيعة العرب» بأنساقهم الحضارية، وسياقاتهم الوطنية والقومية، وتثبيت أنظمة وطنية في الدول التي استطاعت «ملالي طهران» اختراقها. يقول النائب العراقي السابق د.كامل الدليمي «إن المواجهة تستدعي حواضن وطنية، سنية وشيعية، في العراق وغيره من الدول العربية، يجري تنظيمها لصالح مشروع نهوض عربي، تلتف حوله كافة المكونات الوطنية، ويكون قادراً على تقويض المشروع الفارسي في المنطقة». ويذهب الدليمي إلى الحديث عن «ضرورة الرعاية العربية، وتحديداً الرعاية السعودية، لمشروع بهذا الحجم، خاصة لجهة قدرتها على التصدي للهيمنة الفارسية، ولقربها من مختلف المكونات العروبية في المنطقة، من مختلف المذاهب والمشارب». ويؤكد د.الدليمي «أن الحفاظ على الشيعة العرب، وحماية الدول العربية، واستعادة العراق، تستدعي كلها مواجهة على مختلف المستويات، الفكرية والسياسية والعسكرية»، محذراً من فوات الفرصة الراهنة. ويتساوق مع هذا، الخبير العراقي د.جاسم الشمري، ويقول «ينبغي على القيادات الفاعلة في العالم العربي والإسلامي، وكذلك منظمة المؤتمر الإسلامي، ومجمع الفقه الإسلامي، وجامعة الدول العربية، وغيرها من المنظمات الفاعلة، أن تعمل وفق برنامج قومي، غايته إسقاط سطوة التشيّع الفارسي، وحماية الشيعة العرب، عبر إيقاف حملات التكفير التي تستهدفهم، وإغلاق القنوات الطائفية، التي تبث الكراهية والحقد بين طوائف المسلمين، وتشكيل لجان للتقريب، وتوجيه الخطاب الدعوي لعقلاء الشيعة، عبر التفريق بين التشيّع العربي غير المتشدد، والتشيّع الفارسي القاتل». «المشروع الفارسي»، واستهدافه لـ «الشيعة العرب»، في حقيقته هو «ماكينة صراعية»، وظيفتها الأساسية «تفريخ الصراع»، في كل بؤرة بلغتها «عمائم ملالي إيران»، والعمل على إنهاك جسد الأمة، استعداداً لتمكين الهيمنة الفارسية، فيما يظل «طوق النجاة العربي» الضرورة الملحة للانتصار لضحية «الجاني الفارسي».
مشاركة :