العالم كله في واد وأنا في واد

  • 3/24/2016
  • 00:00
  • 3
  • 0
  • 0
news-picture

مشكلتي مشكلة مع التليفون، الذي أعتبره شرًا لا بد منه، فلا يمر بي يوم معه إلاّ وهو يرفع لي ضغطي، ولا أدري هل أحطمه أم أتفل في وجهه أم أخرسه نهائيًا؟! وكلما حاولت أن أفعل ذلك تراجعت قسرًا، لأن هناك مكالمات حميمة لا أستطيع الاستغناء عنها مهما حاولت، فهي أشبه ما تكون بالحبل السري الذي يربطني بالحياة الوردية. ومن منغصات التليفون مثلاً أن تكون مستلقيًا على فراشك، أو جالسًا على كرسي مكتبك، أو سارحًا بملكوت الله، فيرن التليفون فتنهض أو تقف أو تقطع حبل أفكارك، وإذا بالمتصل يعتذر لك بكل برود أن النمرة غلط، وغالبًا ما أصر على أسناني وأنا أقول له: معليش لا بأس، وأنا كذاب وستين كذاب. وأبيخ منه من يتصل بك وقبل أن تتفوه بكلمة (ألو) يسألك عن اسمك قائلاً: من معي؟!، الله من معك (!!) أنت المتصل. ويثقل علي أحيانًا أن أتصل بأحدهم فيجيبني بدلاً منه جهاز تسجيل لكي أذكر له سبب اتصالي، ودائمًا أنهي المكالمة دون أن أتفوه بكلمة واحدة. وهناك صديق أعزه وأتوق إلى محادثته والتباسط معه، وعيبه الوحيد أنه مفتون وفخور بفصاحة طفله الصغير ذي الثلاثة أعوام الذي هو بالكاد بدأ يتعلم الكلام، وما إن يشاهد رقمي أو اسمي على شاشة جواله حتى يعطي طفله التليفون قائلاً له: خذ خذ كلم عمو مشعل. عندها تبدأ معاناتي بمحاورة ذلك الطفل الذي كأنه بالع له راديو، ولا أدري ساعتها هل أكبر عقلي معه أم أصغره، ولولا خوفي من عقوبة الرحمن لشتمته وشتمت والده – واعترافي هذا ما هو إلاّ دلالة على صغارة عقلي. وإلى الآن كلما هزني الشوق لمحادثة ذلك الصديق وتذكرت طفله النابغة، أحجمت عن الاتصال به. وبياخة البياخة هي تلك المكالمة التي أتتني أمس من أحدهم، وهي المكالمة التي دفعتني لكتابة هذا المقال غير المشوق. والخلاصة أن ذلك الشخص الممل كان يحدثني في موضوع اقتصادي هو أكثر مللاً، وكنت أستطيع أن أستحمل كل ذلك الملل، لولا أن أخانا في الله كان بين كل كلمة وأخرى يقضم في فمه قضمة من جزرة نيئة، وما عذبني أكثر هو ذلك (الجرش) الذي لا يتوقف عن تعذيب طبلة أذني. ولا أنسى نصيحة أحدهم عندما قال لي: إذا أردت أن تنهي مكالمة طالت مع ثرثار، فعليك أن تنهيها وأنت الذي تتكلم على أساس أن الخط هو الذي انقطع. صحيح أن هذه الطريقة هي أشبه ما تكون بالانتحار، ولكنه خطأ متعمد لا يعاقب عليه القانون.

مشاركة :