محمد إسماعيل زاهر تسعون في المئة من الأدب «كتابات رديئة»؛ ذلك ما يُقرره جون سذرلاند في مؤلفه شبه الموسوعي «مختصر تاريخ الأدب». ويصل سذرلاند إلى تلك النتيجة عندما يحلل ظاهرة الأكثر مبيعاً أو «البست سيلر»، ولا يكتفي بذلك؛ بل يعمم حكمه على تاريخ الأدب بأكمله، فهناك ما يقارب مليوني مجلد تصنّف على أنها أدب في أروقة مكتبات الجامعات البريطانية، ومكتبة الكونجرس الأمريكية، والأغلبية الكاسحة بين هذه التلال من الكتب، يضعها ناقدنا في خانة «الأدب الرديء». معنى ذلك أنه من بين كل عشرة كتب أدبية نطالعها، توجد تسعة لا تستحق حتى أن نتصفحها، ولكن الأمور في فضاء الأدب متعدد الأبعاد، لا تمكن رؤيتها على هذا النحو المبسط. صحيح أننا إذا فتّشنا في ذاكرتنا عن الأدب الذي حفر في وجداننا، ومنحنا لحظات قليلة من المتعة، سنكتشف أن الحصيلة ضئيلة، ولكن علينا أن نعرف أن الأدب الرديء نفسه، هو ما أكسبنا القدرة على تذوق الأدب الرفيع، ومنح النقد فرصته للفرز بين الجيد والسيئ، وأعطى الكاتب مساحة كي يشتغل على أدواته ويطور منها، لكي يصل إلى حالة إبداع أدبي أفضل. وهناك العديد من دور النشر التي تستفيد من مبيعات الأدب السطحي، حتى تستطيع أن تنفق على الأعمال الجادة؛ أي أن تلك الكتابات التي يسخر منها كثيرون، كانت ذات أهمية قصوى في الأدب كصناعة ثقافية يشترك فيها القارئ والناشر والناقد والكاتب. أيضاً هناك التباس مراوغ في تقسيم الأدب إلى رفيع ورديء؛ إذ يفهم البعض للوهلة الأولى، أن الأول يتعلق بالنخبة والثاني يُحيل إلى التجاري أو الجماهيري، ولكن ما أكثر الأعمال التي استطاعت أن تجمع بين العمق والبساطة! وهناك التباس آخر في ذلك التقسيم، فتاريخ الأدب يحكي لنا عن أعمال اعتُبرت في وقتها سطحية مباشرة، ثم وضعها آخرون في فئة الأدب الكلاسيكي في مرحلة لاحقة، والعكس صحيح. تخضع الذائقة التي تُقيّم الأدب إلى كثير من العوامل، منها ما يتعلق بمزاج مجتمع القراء وروح العصر الثقافية، ومنها ما يرتبط بالتكوين الفردي، أو اختلاف خياراتنا للكتب مع النضج، أو تعرضنا لتجربة ما، تدفعنا إلى تكوين وجهة نظر جديدة في أعمال كنا نضعها ضمن دائرة المهمل. إن تقسيم الأدب إلى رفيع ورديء، مسألة شديدة التعقيد، دفعت معظم النقاد إلى الامتناع عن إطلاق أحكام القيمة. صحيح أن لهذا التوجه سلبياته، فالكل أصبح يكتب الأدب، من دون متابعة أو تحليل، ولكن هذه الإصدارات المتلاحقة التي يبدو للوهلة الأولى أنها رديئة، سيخرج من بينها يوماً ما يمكن أن نصنفه في خانة الأدب الرفيع.
مشاركة :