عوارض الطمث رسمت مساراً مختلفاً في الطب النفسي

  • 8/25/2015
  • 00:00
  • 1
  • 0
  • 0
news-picture

في القرن الحادي والعشرين، يبدو أن صورة المرض النفسي تميل لمصلحة الجمع بين ثلاثة أبعاد هي: الاجتماعي والبيولوجي والنفسي. ولا يعني ذلك نهاية النقاشات عن ما يندرج في إطار المرض النفسي وما يظل سلوكاً فردياً غير مألوف. ولا تزال التصنفيات العالمية للأمراض النفسية كـ «الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية» Diagnostic & Statistical Manual for Mental Disorder و «التصنيف العالمي للأمراض» International Classification of Diseases تتجدد بصورة مستمرة، مع ما يحمله ذلك التجدد أحياناً من إعادة التفكير في ظواهر السلوك الفردي والاضطرابات النفسية عند الأفراد، بل ربما الجماعات أحياناً. وفي أواخر آذار (مارس) 2015، اندفع المرض النفسي إلى الواجهة بقوة، مع حادث سقوط طائرة «جيرمان وينغز» في جبال الألب، واتهام مساعد الطيار أندرياس لوبيز بأنه تعمد صدم الطائرة بجبل في الألب، بتأثير معاناته مرضاً نفسياً. وفي المقابل، احتج كثيرون على إقحام المرض النفسي من دون تروٍ كافٍ في تلك الحادثة، التي ما زالت غامضة. (أنظر «الحياة» في 3 نيسان- أبريل 2015»). مشهدية بدلت العلم لم يكن الاضطراب النفسي المتصل بالطمث إلا نموذجاً آخر للتفاعل بين المُكونات النفسية والاجتماعية والبيولوجية في النظرة العلمية للمرض النفسي. ومن المستطاع عرض ذلك الأمر بصورة مبسطة، عبر القصة القصيرة التالية، التي ربما تتكرر في غير منزل عربي. «أثنت رجليها إلى بطنها. ضمت يديها حول أعلى رجليها. أسندت رأسها إلى ركبتيها. غرقت في تفكير عميق. تنبهت إلى أنها تجلس في وضعية رأتها مراراً في السينما والتلفزيون. تبسمت قليلاً، لكن دواعي المرح عندها لم تكن كثيرة. وعلى رغم هدوء ملامح وجهها، ضج رأسها بأفكار كثيرة، أغلبها مزعج. نادتها أمها مستفسرة عن سبب انفرادها بنفسها في غرفة النوم. ردت يولا بصوت هادئ. أين كان هذا الهدوء قبل يومين، حين انفجرت في نوبة حادة من الصراخ، لمجرد أن أمها طلبت منها الإسراع في إنجاز كي الملابس؟ وقتها، تبادلت الأم والبنت الصراخ، ثم تنبهت الأم وصمتت، فيما لم تهدأ البنت، ولم تنته من نوبة الصراخ المتوتر، إلا بنوبة بكاء مرير. لم يكن ما فكرت به يولا أمراً يسيراً. تريد أن تطلب من أمها اصطحابها إلى طبيب نفساني! تعلم جيداً أن طلباً كهذا كفيل بأن يجر نقاشاً عسيراً. هل يمكن تجنب الأمر، أم انه من الأفضل أن تستمع إلى نصيحة صديقتها، فتذهب إلى الطبيب النفساني؟ صديقتها من جهة، أمها من الجهة الأخرى: كم مرة تكرر ذلك المشهد؟ تبسمت يولا قليلاً. نعم. لم تنس. قبل أربع سنوات، رأت دماً يسيل على رجليها، منحدراً من الأعلى. فزعت. هرعت إلى أمها. تبسمت الأم، وقالت ليولا إنه «أمر طبيعي عند الإناث». اكتفت الأم بالقول إن الأمر سوف يتكرر كل شهر... تقريباً، وشرحت لها طريقة استعمال الفوطة الصحية. ثم أوصت الأم يولا بـ... الحذر. حينها، لم تفهم الابنة ما الذي تعنيه أمها بكلمة الحذر. اكتفت الأم، التي كثيراً ما تصف نفسها بأنها «منفتحة»، بتلك المعلومات! ولاحقاً، تولت إحدى صديقات الأم شرح الدورة الشهرية ليولا. بعد ذلك، تكفلت المجلات والكتب، بالأحرى بعض ما تناول هذا الموضوع وغالباً بالمصادفة، بإعطاء يولا بعض المعلومات عن بلوغها، وتحولها من طفلة إلى أنثى. كأنما تلك القصة تتكرر ثانية مع يولا. إذ ابتدأت معاناتها الراهنة مع سلسلة من الشجارات غير المألوفة والمفاجئة مع الأهل، التي غالبا ما صاحبها حزن عميق. ثم تكرر الأمر نفسه مع صديقها. ماذا تقول أمها لو علمت أن للابنة صديقاً، على عكس وصية... الحذر؟ عادت يولا إلى الابتسام، واتجهت عيناها إلى الباب. الأم في الخارج، وصديقها في رأسها. تذكرت أن كل المشاعر الدافئة لم تنقذ علاقتها معه من الشجار المفاجئ الذي خالطه كثير من الحزن والإحباط. ثم هددها صديقها بـأنه سيتركها إذا استمرت تلك «الانفجارات»، وفق كلماته. بعدها، لجأت يولا إلى صديقتها. تحادثتا طويلاً. صمتت صديقتها فجأة، ثم شرعت تحدق في الفراغ، كمن التمعت في رأسها فكرة كبيرة. قالت الصديقة إنها تنبهت فجأة إلى أن معظم مشاكل يولا تحدث في الأيام القليلة التي تسبق دورتها الشهرية. صمتت يولا أيضاً. إذ كانت تعلم أن عادتيهما، بالمصادفة المحضة، متزامنتان. هل أن صديقتها على حق؟ لماذا لا تعاني الصديقة من النوبات نفسها؟ بعد جولات في الإنترنت، توصلت الصديقتان إلى شيء يشبه ما تعانيه يولا: «ظاهرة ما قبل الدورة الشهرية» Pre Menstrual Syndrome، واختصارا («بي أم أس» PMS). ربما كانت الإنترنت على حق! ألم تكن يولا تشعر بحزن عميق، ويأس شبه تام، في الأيام التي تفجرت فيها نوبات الشجار والصراخ؟ ألم تكن تحاول تجنب صديقها، تكراراً وتكراراً، في الأسبوع الذي يسبق حدوث العادة لديها، على رغم إلحاحه على لقائها في الغالب»؟ نصف نساء الأرض «لم تجد يولا مناصاً من مفاتحة الأم بالأمر كله. وفوجئت الأم. بكت أيضاً، لأسباب كثيرة ربما. تناقشتا طويلاً في شأن زيارة الطبيب. وفي المساء، استشارت الأم الأب. حاول الكل إقناعها بعدم الذهاب إلى الطبيب النفساني. طال النقاش أياماً. ثم رضخت الأم أمام إلحاح الابنة، وكذلك أمام تدخل الخال، الذي لجأت إليه يولا طالباً للمساعدة. وتولى الخال إخراج «مسرحية» الذهاب إلى الطبيب النفسي: ستزعم الأسرة أن الخال هو الذي يُعاني من «أعصابه»! شرح الطبيب ليولا أن ما تعانيه مرض اعترف به الطب النفساني منذ تسعينات القرن العشرين. ودهشت يولا عندما علمت أن العلم لم يكن يقر بوجود «بي أم أس» قبل ذلك. وبأناة، بين الطبيب أن زيادة قوة النساء عالمياً كان له أثره على علوم الطب، التي يهيمن عليها الرجال. إذ أرغمت النساء العلم الحديث على الاعتراف بمرضهن النفسي المتعلق بالطمث. وعلمت يولا أيضاً أن الاسم العلمي الثاني للمرض هو Premenstrual Dysphoric Disorder، وترجمته «اضطراب محزن قبل الدورة الشهرية». ثم عادت إلى الإنترنت. وعرفت أن نصف نساء الأرض يصبن بأعراض خفيفة في الأيام التي تسبق نزفهن شهرياً. ولا يعني ذلك أنهن كلهن يعانين مرض «بي أم أس»، بل أن نسبة من يصبن به مرضاً لا تتعدى الـ5 في المئة. وبعد ذلك كله، دخلت يولا رحلة العلاج». هناك مرض آخر له علاقة مع المرأة وقوتها، بمعنى أن تحرر المرأة تحدى الهيمنة الذكورية في العلوم النفسية. يتعلق الأمر بالمرض النفسي- الجسدي، الذي لم تكن الذكورية العلمية تصفه بغير الـ «هستيريا» Hysteria، وهو مصطلح مشتق من كلمة «هيسترا» Hystera التي تعني «الرحم» باللاتينية. وقبل القرن العشرين، كان أصحاب العلم يعتقدون أن أعراضاً جسدية متنوعة تحصل بأثر من «تحرك» الرحم، خصوصاً عند العادة الشهرية. وحاضراً، حل المرض النفسي- الجسدي (يشار إليه علمياً بمصطلح «جسدنة» Somatization)، محل ما كان يسمى «هستيريا». وأثبتت الإحصاءات أن الذكور والإناث متساوون في الإصابة به، بل أن الرجال ربما فاقوا النساء عدداً في معاناته. ويستوجب شرح ذلك المرض، قصة أخرى!

مشاركة :