أجساد ترقص شعرا في "تراجيديا" الخلاص بقلم: عمار المأمون

  • 5/1/2017
  • 00:00
  • 5
  • 0
  • 0
news-picture

المخرج الفرنسي أوليفر دوبوا سابقا كراقص تحت إشراف العديد من الأسماء الهامة في عالم الرقص كساشا فالتز وجان فابري وغيرهما، ليبدأ بعدها تجربته كمخرج ومصمم رقصات مكتسحا الساحة الفرنسية، مقدما العديد من العروض الراقصة على مدى سبعة عشر عاما، تنقلت العديد منها بين العواصم الأوروبية إلى جانب عمله كمدير لـ”باليه الشمال” الفرنسيّة. ومؤخرا شهدت خشبة مسرح “لاكوليز” في المدينة الفرنسية ليل عرض “تراجيديا”، من تصميم وإخراج دوبوا في استعادة للنسخة الأولى منه التي عرضت في مهرجان أفينيون الشهير عام 2012. الخشبة فارغة تماما أمامنا، تشغلها أجساد الراقصين العراة كليا، والذين يتدرج دخولهم وخروجهم من وإلى الكواليس، إلى أن نرى أمامنا 18 عشر راقصا وراقصة، يبدأ إيقاعهم بسيطا، مجرد مشي متكرر، دخول وخروج، لا شيء مميزا في حركاتهم سوى أنها روتينية، وكأنها بداية الطريق، أشبه بتمارين على الرحيل، ليبدأ بعدها الإيقاع بالتصاعد، وتبدأ الأجساد بفقدان اتزانها وتماسكها. البعض ينهار والبعض الآخر يحاول أن يحافظ على انضباطه مع الإيقاع، إلى أن ينتهي الأمر بسقوط الجميع، وكأننا أمام طقوس التطهير بشكلها البدائي والتي تحفر أثرها في الجمهور عميقا، فالغربة بالتطهير تنشأ إثر خلل في اتزان العالم الذي ينعكس على الجمهور، ليأتي الراقصون لاختزال العنف الذي يخلقه هذا الخلل في أجسادهم التي تنهار كضحايا التطهير، إذ لا بد من ضحية ليعود العالم إلى توازنه، لا بد من أجساد تكتسح ليعود النظام إلى حاله.أوليفر دوبوا: اعتمدت في تصميم الرقصات على تقسيمات التراجيديا اليونانية ويقول دوبوا إنه اعتمد في تصميم الرقصات على بعض تقسيمات التراجيديا اليونانية، المدخل وإنشاد الجوقة ثم التطهير، وعبر هذه التقسيمات قام بتقطيع حركات الراقصين وإيقاعاتهم. هذا التقسيم ذاته نقله دوبوا إلى المؤلف الموسيقي فرنسوا كافين في محاولة لإيجاد “صوت يهز الأرض ويخلق صدى جيولوجيّا”. نشاهد في “تراجيديا” قصيدة جسديّة، الإيقاعات التي تنتفض عبرها الأجساد مع الموسيقى تشابه الإنشاد التراجيدي بصورته البدائية، التكرار في الحركات المنتظمة التي ما تلبث أن تنفلت من الإيقاع أقرب إلى حال طقوس التراجيديا الأولى المرتبطة بالفزع، والذي يأخذ الأجساد بعيدا في رحلة انهيار شخصية نحو التطهير، كحال أوديب الذي فقأ عينيه وميديا التي قتلت أولادها. لكن ما نلاحظه في العرض هو غياب التحوّل والتعرّف، النقطتين الجوهريتين في بناء التراجيديا، وكأننا أمام شخصيّات تعرف مصيرها، نهاياتها محتّمة، هي فقط تنشد جسديا رحيلها المحتوم. ويعكس العرض في داخله العديد من العناصر الفكرية المرتبطة بحالات الفوضى، فما إن تتلاشى صدمة العري التام حتى تحضر ثيمات الطقوس القبائلية وموسيقى الترانس في حفلات الإعلان العلني عن الحرب، لنرى أمامنا ثمانية رجال وثماني نساء في طقس احتفالي لغريزة الخوف، في تراجيديا يتصعّد فيها الفعل الإنسانيّ إلى أقصاه، فهي “حدث لا ينتمي إلى الحياة اليومية”. أما العري البشري فهو أبسط تجليات الإنسان وأشدها وضوحا، إذ لا دلالة أخرى سوى “الأنا الجسدية” وانفعالاتها، دون أي خطاب أو أيديولوجيا، مجرد لحم بشري حرّ بانتظار أزمة ذبائحية تحرره من دمائه. ويخلق التكرار المتعمد للحركات في العرض نوعا من التوتر وإحساسا بالانتظار وترقب ما سيحدث، وكأنه سخرية على المستوى العميق من الفعل الإنساني المبتذل، فالزمن الخالي من الفعل أو الدراما استفزازي، يثير أعصاب المشاهد، وكل تغيير طفيف أشبه بقطرة تضاف إلى السم، الذي ما يلبث أن ينتشر أشبه بكرنفال ذبائحي لتحضير القرابين. فالتكرار طقس مشابه للتراجيديا المعاصرة، الآلات التي تسيطر علينا بدقتها وروتينها القاتل تهيئنا لكي تلتهمنا لحما وعقلا.

مشاركة :